السيد هاشم البحراني
588
البرهان في تفسير القرآن
يقدر أحد على صرف انتقامه من مخالفيه ، وقادر على إثابة الموافقين لدينه والمصدقين لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) لا يقدر أحد على صرف ثوابه عن مطيعيه ، حكيم فيما يفعل من ذلك ، غير مسرف على من أطاعه وإن أكثر له الخيرات ، ولا واضع لها في غير موضعها وإن أتم له الكرامات ، ولا ظالم لمن عصاه وإن شدد عليه العقوبات . قال علي بن الحسين ( عليهما السلام ) : وبهذه الآية وغيرها احتج علي ( عليه السلام ) يوم الشورى على من دافعه عن حقه ، وأخره عن رتبته ، وإن كان ما ضر الدافع إلا نفسه ، فإن عليا ( عليه السلام ) كالكعبة التي أمر الله باستقبالها للصلاة ، جعله الله ليؤتم به في أمور الدين والدنيا ، كما لا ينقص الكعبة ، ولا يقدح في شيء من شرفها وفضلها أن ولى عنها الكافرون ، فكذلك لا يقدح في علي ( عليه السلام ) أن أخره عن حقه المقصرون ، ودافعه عن واجبه الظالمون . قال لهم علي ( عليه السلام ) يوم الشورى في بعض مقاله بعد أن أعذر وأنذر ، وبالغ وأوضح : معاشر الأولياء العقلاء ، ألم ينه الله تعالى عن أن تجعلوا له أندادا ممن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر ولا يفهم ؟ أو لم يجعلني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لدينكم ودنياكم قواما ؟ أو لم يجعل إلي مفزعكم ؟ أو لم يقل لكم : علي مع الحق والحق معه ؟ أو لم يقل : أنا مدينة العلم وعلي بابها ؟ أولا تروني غنيا عن علومكم وأنتم إلى علمي محتاجون ؟ أفأمر الله تعالى العلماء باتباع من لا يعلم ، أم من لا يعلم باتباع من يعلم ؟ يا أيها الناس ، لم تنقضون ترتيب الألباب ، لم تؤخرون من قدمه الكريم الوهاب ؟ أوليس رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أجابني إلى ما رد عنه أفضلكم فاطمة لما خطبها ؟ أوليس قد جعلني أحب خلق الله إلى الله لما أطعمني معه من الطائر ؟ أوليس جعلني أقرب الخلق شبها بمحمد نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ؟ أفأقرب الناس به شبها تؤخرون ، وأبعد الناس به شبها تقدمون ، ما لكم لا تتفكرون ولا تعقلون « ؟ ! قال : « فما زال يحتج بهذا ونحوه عليهم وهم لا يغفلون عما دبروه ، ولا يرضون إلا بما آثروه « ! قوله تعالى : * ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ [ 216 ] ) * [ 1 ] - ( دعائم الإسلام ) : عن علي ( عليه السلام ) أنه قال : « الجهاد فرض على جميع المسلمين لقول الله تعالى : * ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ) * فإن قامت بالجهاد طائفة من المسلمين وسع سائرهم التخلف عنه ما لم يحتج الذين يلون الجهاد إلى المدد ، فإن احتاجوا لزم الجميع أن يمدوهم حتى يكتفوا ، قال الله تعالى : وما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) * « 1 » فإن دهم أمر يحتاج فيه إلى جماعتهم نفروا كلهم ، قال الله عز وجل :
--> 1 - دعائم الإسلام 1 : 341 . ( 1 ) التوبة 9 : 122 .